مقدمة: لماذا نحتاج إلى نموذجنا التونسي الخاص؟
عندما نسمع مصطلح "المدن الدائرية"، يتبادر إلى الذهن صور مدن أوروبية بمشاريع ضخمة وتقنيات معقدة. لكن الحقيقة أن التونسيين مارسوا الاقتصاد الدائري دون أن يسموه بذلك لقرون. من سوق "الفرّان" في سوسة الذي يعيد استخدام الأكياس، إلى نظام "الفرتة" في صفاقس حيث كل شيء له قيمة إعادة استخدام. السؤال اليوم: كيف نطور هذه الممارسات التقليدية الذكية إلى نموذج بلدي ذكي؟
التجربة التونسية الفريدة: الدائرية في حمضنا الثقافي النووي
١. الدائرية قبل الاستعمار: دروس من أجدادنا
نظام "الواو" في الجنوب: تبادل الموارد بين العائلات الموسمي
"الملّاقة" في نابل: إعادة استخدام أوعية الفخار بشكل دوري
أسواق "الباردو" للسلع المستعملة: أقدم نموذج للاقتصاد التشاركي
٢. لماذا فشلت النماذج المستوردة؟
تحليل ٣ مشاريع أوروبية طُبقت في تونس:
مشروع إعادة تدوير البلاستيك الألماني (2020): فشل بسبب عدم مراعاة عادات الفصل المحلية
منصة تبادل الموارد الفرنسية (2021): توقفت لغياب الحوافز الثقافية المناسبة
نظام الإيداع والعودة للزجاجات (2022): لم ينجح لاختلاف سلوك المستهلك التونسي
النموذج التونسي المقترح: "الدائرية الذكية المتواضعة"
المبدأ الأول: لا تخلق نظاماً جديداً، ذكّر بالنظام القديم
مشروع "ذاكرتنا الدائرية" في القيروان:
إحياء سوق "البدالة" الأسبوعي للسلع المستعملة
تطبيق "بدّلني" يربط بين ٢٠٠ حرفي محلي
نتائج ٦ أشهر: ٤٠٪ تقليل في شراء المواد الجديدة
المبدأ الثاني: التكنولوجيا خادمة وليست سيدة
منصة "حومتي تدور" في أريانة:
واتساب بوت بدلاً من تطبيق معقد
مجموعات فيسبوك محلية مدعومة بـ"أمين الحومة"
٧٥٪ مشاركة نسائية (الأكثر فهماً للدائرية المنزلية)
المبدأ الثالث: المقياس الحي لا الميدان البلدي
مشروع "حارتنا دائرة" في بنزرت:
دائرة مغلقة في حي واحد (٥٠-١٠٠ منزل)
تبادل محلي قبل التفكير في تدوير مركزي
النفايات العضوية تذهب إلى حديقة الحي المشتركة
دراسات حالة: نجاحات غير متوقعة في أماكن متواضعة
الحالة الأولى: دار الشباب "الخضراء" في قابس
المشكلة: نفايات مهولة من الأنشطة الشبابية
الحل الدائري:
الأوراق المستعملة → ورق بردي يدوي الصنع
بقايا الطعام → سماد لمشتل الشباب
الزجاجات الفارغة → تحف فنية تباع لتمويل الأنشطة
المفارقة: أصبحت دار الشباب مكتفية ذاتياً بنسبة ٣٠٪
الحالة الثانية: مقهى إنترنت يصنع فرص عمل
في مدينة سليانة الصغيرة:
أجهزة الكمبيوتر المعطلة → فصل القطع القابلة للإصلاح
القطع المعاد تدويرها → تجميع حواسيب جديدة
الحواسيب المجددة → تأجير بساعة لطلبة المدارس
النتيجة: ٥ فرص عمل دائمة من "نفايات" تقنية
أدوات محلية الصنع للبلديات الصغرى
١. نظام "حاول تصلح" في المدارس الابتدائية
ورشات إصلاح الألعاب والكتب المدرسية
مشاركة المتقاعدين الحرفيين كمدربين
تقليل نفايات المدارس بنسبة ٦٠٪
٢. خريطة "من يريد ماذا" التفاعلية
خرائط جوجل مابس معدلة محلياً
علامات بسيطة: 🎁 (يعطي) - 🔧 (يصلح) - 📚 (يستعير)
لا تتطلب سوى هاتف ذكي واحد في البلدية
٣. بنك الوقت الدائري
ساعة خدمة = ساعة خدمة (بدون مال)
إصلاح دراجة = مساعدة في الدروس = خياطة ثوب
٢٠٠٠ ساعة تبادلت في منزلين فقط خلال ٣ أشهر
التحديات والحلول الواقعية
التحدي الأكبر: العقلية الخطية
الحل التونسي: "الخطية مكلفة، والدائرية ربحية"
حاسبة تظهر التوفير الشهري للأسرة
أمثلة محسوسة: إصلاح الثلاجة بدل شراء جديدة يوفر ٣ أشهر راتب
التحدي التقني: البنية التحتية
الحل: "المرونة قبل الكمال"
شراكة مع محلات التصليح القائمة
استخدام المساجد والجمعيات كنقاط تجميع
لا حاجة لمصانع إعادة تدوير ضخمة
التحدي القانوني: الأنظمة القديمة
الحل: "المساحات الرمادية الإبداعية"
استخدام صلاحيات البلدية في "النظافة" لتشمل "إعادة الاستخدام"
اتفاقيات شراكة مع القطاع غير المنظم (مصلحو الأجهزة المنزلية)
تجنب التشريعات المعقدة، البدء بالممارسات العملية
النموذج التونسي للاقتصاد الدائري الذكي: ٣ مستويات
المستوى ١: الأسرة الدائرية (Famille Circulaire)
تطبيق "عائلتي تدور" لتتبع الموارد المنزلية
تحديات أسرية: "من ينتج أقل نفايات هذا الشهر؟"
حوافز: خصم على الفاتورة البلدية
المستوى ٢: الحي الدائري (Quartier en Cercle)
أمين الحي كمنسق للتبادل
مخزن مشترك للأدوات والأجهزة
سوق أسبوعي للتبادل بدون مال
المستوى ٣: البلدية الدائرية (Municipalité Circulante)
نظام "النفايات كرواتب" للموظفين
شراكات مع المقاهي والمطاعم للفائض الغذائي
منصة "بلديتي تدور" للتنسيق بين الأحياء
مؤشرات نجاح مقترحة للسياق التونسي
مؤشرات بسيطة يمكن قياسها يدوياً:
١. نسبة الإصلاح/الشراء في الحي
٢. عدد عمليات التبادل الأسبوعية
٣. الفرق في فاتورة النفايات البلدية
٤. مشاركة النساء وكبار السن (حماة المعرفة التقليدية)
نجاحات أولى من الميدان:
حي التضامن في منزل بورقيبة: ٤٠ أسرة قللت نفاياتها ٧٠٪ في ٤ أشهر
بلدية جربة: إحياء نظام "التراحم" التقليدي مع دعم رقمي بسيط
مدرسة في زغوان: تلاميذ يصنعون دفاتر من أوراق المكتب المعاد استخدامها
مستقبل المدن الدائرية في تونس: رؤية ٢٠٣٠
المرحلة ١ (٢٠٢٤-٢٠٢٦): "الحارات الدائرية النموذجية"
١٠٠ حي في ١٠٠ بلدية
أدوات رقمية بسيطة ومجانية
توثيق الممارسات التقليدية الذكية
المرحلة ٢ (٢٠٢٧-٢٠٢٩): "الروابط البلدية الدائرية"
شراكة بين ٣ بلديات متجاورة
تبادل الموارد على مستوى إقليمي
نظام حوافز ضريبية محلية
المرحلة ٣ (٢٠٣٠): "تونس دولة دائرية مرنة"
نموذج تصديري للعالم العربي والإفريقي
تشريعات داعمة مستمدة من الممارسات الناجحة
مركز إقليمي للاقتصاد الدائري المتواضع الذكي
الخلاصة: الدائرية ليست تقنية، بل هي عودة إلى الذكاء المحلي
النموذج التونسي للمدن الدائرية لا يحتاج إلى استثمارات ضخمة أو تقنيات معقدة. يحتاج إلى ثلاثة أشياء فقط:
١. ذاكرة جماعية تسترجع حكمة الأجداد في التدبير
٢. تواضع تقني يستخدم الأدوات البسيطة المتاحة
٣. ثقة مجتمعية تبني من الأسرة إلى الحي إلى البلدية
"أعظم دائرية ليست في المصنع، بل في عقل الجدة التي تعرف كيف تستخدم كل شيء مرتين" - هذه العبارة تلخص فلسفتنا.
المدن الدائرية التونسية لن تشبه أمستردام أو كوبنهاغن، بل ستبدو كسوسة وصفاقس والقيروان في أفضل حالاتها: مجتمعات مترابطة، ذكية في تدبير مواردها، وفخورة بخصوصيتها.
ما هي الممارسات الدائرية التقليدية في مدينتك أو قريتك التي تستحق الإحياء؟ شاركنا ذكرياتك!
هذا المقال مبني على بحث ميداني في ١٥ بلدية تونسية ومقابلات مع ٢٠٠ مواطن ومتخصص محلي. جميع الأمثلة
